أحمد مصطفى المراغي

13

تفسير المراغي

ثم بين حالهم حين حلول البأس بهم فقال : ( فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ ) أي فلما أيقنوا أن العذاب واقع بهم لا محالة كما أوعدهم أنبياؤهم - إذا هم يهربون سراعا عجلين يعدون منهزمين . والخلاصة - إنهم لما علموا شدة بأسنا وبطشنا علم حس ومشاهدة ركضوا في ديارهم هاربين من قواهم بعد أن كانوا قد تجبروا على رسلهم وقالوا لهم « لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا » . ثم ذكر أنهم في ذلك الحين ينهون عن الهرب ويقال لهم : ( لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ ) أي يقال لهم على طريق الاستهزاء والتهكم : لا تركضوا هاربين من نزول العذاب ، وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور ، والمساكن الطيبة ، والفرش المنجّدة الوثيرة ، لعلكم تقصدون للسؤال عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم ، فتجيبوا السائلين عما تشاهدون وتعلمون . ثم حكى عنهم ما أجابوا به القائلين لهم لا تركضوا وارجعوا فقال : ( قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ) أي قالوا حين يئسوا من الخلاص إذ نزل بهم بأس اللّه بظلمهم أنفسهم : هلاكا لنا ، لكفرنا بربنا - وهذا منهم اعتراف بالكفر المستتبع للعذاب ، وندم عليه حين لا ينفع الندم : ندم البغاة ولات ساعة مندم * والبغي مرتع مبتغيه وخيم ( فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ ) أي فما زالوا يرددون هذه المقالة ، ويجعلونها هجّيراهم حتى حصدوا حصدا ، وخمدت حركاتهم ، وهدأت أصواتهم ، ولم ينبسوا ببنت شفة . وخلاصة هذا - إنهم صاروا يكررون الاعتراف بظلمهم أنفسهم ، ولكن لم ينفعهم ذلك كما قال : « فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا » حتى لم يبق لهم حس ولا حركة ، وأبيدوا كما يباد الحصيد ، وخمدوا كما تخمد النار .